أبي طالب المكي

23

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

إذ لا بغية في ذكر ذلك . ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال : أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد فقال : عرف الحق لأهله ، وإنما ذكر الله تعالى الأسباب لأن الأسماء متعلقة بها والأحكام عائدة على الأسماء بالثواب والعقاب . فلم يصلح أن لا تذكر فتعود الأحكام على الحاكم تعالى . عن هذا أنه هو يبدئ ويعيد ، يبدئ الأحكام من الحاكم ويعيدها على المحكوم ، وهذا هو سبب إظهار المكان من الموات والحيوان لئلا يكون تعالى محكوما وهو الحاكم ولا يكون مأمورا وهو العزيز الآمر ، فعادت على المحكومات المأمورات . ومن هذا قوله تعالى : * ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ الله باقٍ ) * [ النحل : 96 ] ، فجميعا عنده ، وفي خزائنه ، إلا أنه أضاف الدنيا إلينا لرجوع الأحام علينا وليزهدنا فيها وأضاف الآخرة إليه تخصيصا لها ، وتفضيلا ليرغبنا فيها . وكما أخبر عن عيسى : وإذ تخلق من الطين . ومثله : فارزقوهم فيها ، فسماه خالقا ، إذ خلق الله على يده وسماهم رازقين لما أجرى على أيديهم رزق أهليهم . فهو عندي كقوله لمريم : * ( وهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) * [ مريم : 25 ] ، وقد علمت أن الرطب لم يتساقط بهزّها ولا جعل ولا فعل لهزّها في الرطب ، ولكن أراد أن يظهر كرامتها ويجعل الآلة منه بيدها . ومثله : * ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ) * [ ص : 42 ] ، فنبعت عينان فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى ولا فعل لرجله في إظهار العينين ، وقد نفى لبيد ما سوى الله في قوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنشد ذلك صدق . وفي لفظ آخر إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أصدق بيت قاله الشاعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وهو يعلم صلى الله عليه وآله وسلم أنّ في الأشياء أواسط حقّ وأسباب صدق ، ثم لم يمنعه ذلك أن قال أصدق بيت قاله الشاعر : كذا ، إيثارا منه للتوحيد وتوحيدا للمتوحد . هذا مع قرب عهدهم بتكذيب الرسل وإبطال الكتب . ولكن لما كانت الأشياء بعد أن لم تكن ولا تكون ، بعد أن كانت أشبهت الباطل الذي لا حقيقة له أولية ، ولا ثبات له آخرية . وكان الله تعالى الأوّل الأزلي ، الآخر الأبدي ، فهو الحق ولا هكذا سواه . ومثله الأسباب أيضا في ثوانيها وأواسطها إلى جنب الأوّل المسبّب مثل ما يقول في القرآن : قال الله كذا . ولك أن تقول قال نوح . وقال يوسف كذا . فكل صواب . فإذا قلت قال الله سبحانه وتعالى فهو القائل الأوّل قبل القائلين ، متكلما بوصفه مخبرا عن علمه بغير وقت لموقت ولا حدّ